أحمد فارس الشدياق
126
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
الشروع في ترجمة التوراة ثم إني أخذت في أن أذهب إلى الدكطر لي في كل يوم لأترجم التوراة ثم أعود إلى منزلي ملازما له ، فلم تمض عليّ أيام حتى عيل صبري ؛ لأنّ هذه القرية التي قدّر الله أن أسعد الناس بترجمتي فيها كانت من أنحس قرى الإنكليز ، على أن جميع قراهم لا تليط بقلب الغريب لما سيأتي . متاعب الإقامة في القرية ولم يكن فيها للأكل غير اللحم والزبدة المخلوطة بالجزر ، والخبز والجبن واللبن المذيق والبيض والكرنب ، وذلك يغني عن ذكر ما هو معدوم فيها ، على أن هذه اللوازم إنّما كانت نفاية ما يوجد في المدن . ومن عادة الإنكليز أن يكون لهم بالقرب من القرى بليدة يباع فيها ما يلزم لهم من المأكول والمشروب والملبوس والأثاث ؛ فيذهب إليها الفلاحون مرّة في الأسبوع ويشترون ما يلزمهم ، وقد يمرّ على البيوت ليلا رجل ينفخ في البوق تنبيها على ذهابه إلى تلك البليدة فمن شاء أن يشتري شيئا كلّفه به وجزاه على ذلك . وقد يمرّ أيضا تجار بعجلات فيها نحو البن والشاي والسكر ، أو يكون معهم راموز هذه الأشياء ليبعثوا منها للمشتري من حوانيتهم . وبمثل هذه الأسباب المتنوعة والصعوبة المبرحة يحصّل الإنسان ما لا بدّ له لقوام عيشه . أمّا محار البحر والسرطان والإنكليس ، وهذا الذي يسمّونه « لبستر » ، وهو أطيب ما يؤكل عندهم ، وهو في شكل البرغوث وأكبر من السرطان فلا وجود لها البتّة . وأمّا السمك فلا يرد منه إلى مرّة في كل ثلاثة أشهر ، على أن جميع أصناف سمكهم مسيخة « 115 » إلا صنفا منها يقال له : سمن ، وهو طيب لكن لا بالنسبة إلى سمك بلادنا « 116 » . وقد يضعونه في الثلج ليلا ويعرضونه للبيع نهارا ، فربّما كان
--> ( 115 ) المسيخ من الطعام : ما لا طعم له . ( م ) . ( 116 ) وردت العبارة في الطبعة الأولى على النحو الآتي : بالنسبة إلى سمك بلادنا لا طعم له . ( م ) .